نخبة من الأكاديميين
87
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
نجحت الحملة الصليبية الأولى في تأسيس مملكة بيت المقدس وعدد من الإمارات في الرها وأنطاكية وطرابلس ، كانت معاملة الصليبيين للمسيحيين العرب والمسيحيين الشرقيين عامة ، مهينة على نحو واضح . إن كراهية الأجانب تتجلى في أحداث الحملة الشعبية التي سبقت حملة الأمراء في المجر وفي أوروبا الوسطى والشرقية ، فقد مارس أتباع " والتر المفلس " Walter Sans - Avoire نوعًا من السلب والنهب والعنف في بلغاريا ، جعلت البلغار يهاجمونهم ويقتلون أعدادًا كبيرة منهم . وهو الأمر الذي تكرر مع جيش بطرس الناسك في مدينة « سملين » على الحدود المجرية - البيزنطية ، مدينة نيش Nish كما وهاجمهم الجيش البيزنطي وقتل جنوده الكثير من رجال بطرس الناسك وأسر منهم عدداً كبيراً . ومن ناحية أخرى كتب المؤرخ المجهول صاحب كتاب " أعمال الفرنجة " Gesta Francorum والذي كان فارسًا في جيش بوهيموند النورماني في الحملة الصليبية الأولى : « . . . ومكثنا بضعة أيام نحاول شراء المؤن والأطعمة ، ولكن السكان رفضوا أن يبيعوا لنا شيئًا ، لأنهم كانوا يخافوننا كثيرًا ، فقد ظنوا أننا لسنا حجاجًا ، واعتقدوا أننا لصوص نهابون جئنا نخرب الأرض ، ونقتل الناس . ولذلك استولينا على الثيران والخيول والحمير ، وكل ما وجدناه ، ثم تركنا " كاستوريا " ودخلنا " بالاجونيا " ، حيث كانت قلعة للهراطقة . وهاجمنا المكان من كل جانب وسرعان ما سقط في أيدينا وأشعلنا فيه النيران التي أحرقت القلعة بسكانها جميعاً . . . » حقًا إنهم لم يكونوا لصوصًا نهابين ! ! ! هنا تتجسد كراهية الأجانب في سلوك الصليبيين تجاه المسيحيين في البلقان أثناء الحملة الصليبية الأولى وهو سلوك إمتزج به الرعب بالكراهية : نهب ، واغتصاب ، واغتيال ومعارك حقيقية . وبسبب كراهية الأجانب هذه فشل الصليبيون في معاملة الإمبراطور البيزنطي باحترام ، كما فشلوا في كسب احترامه . وفي هذا السياق لم يكن هجومهم الوحشي على المسلمين في كتاباتهم غريباً ، ولا سيما وأن سلوكهم الفعلي كان وحشيًا وقد تجسد في المجزرة الرهيبة التي جرت لسكان القدس ، وفي المجازر الأخرى التي ارتكبوها في جميع الأماكن التي احتلوها ، وذلك رغم عهود الأمان التي بذلوها لسكان تلك الأماكن . كما تجسَّد في القسوة التي اتسم بها سلوك الصليبيين تجاه الأهالي في الأماكن التي غزوها حتى بمقاييس العصور الوسطى التي جمعت بين الوحشية والتدين الشكلي . يقول فوشيه الشارتري ، القس السابق ذكره والذي صحب جيش بلدوين إلى فلسطين ، وهو يصف مجزرة القدس : « . . . وكثير من المسلمين الذين كانوا قد تسلقوا قمة معبد سليمان ( المسجد الأقصى ) هاربين ، أصابتهم السهام في مقتل فسقطوا من فوق السقف . وتم ذبح حوالي عشرة آلاف في المعبد . ولو أنك كنت موجودًا هناك لغاصت قدماك حتى العقبين في دماء المذبوحين . ترى ماذا أقول ؟ إننا لم نترك منهم أحدًا على قيد الحياة . ولم ينجُ حتى النساء والأطفال . . . » . هذه الصورة الوحشية التي يتباهى بها قس كاثوليكي من الصليبيين ، كانت تغطيها غمامة كثيفة من التصورات المنحازة ، والأوصاف الظالمة للمسلمين ، فيقول في سياق الرواية نفسها « . . . فقد كان